حذّر شون ماثيوز، في تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، من اقتراب جولة جديدة من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في ظل استعداد دبلوماسيين أمريكيين لإجلاء موظفي السفارات، وتكثيف المقاتلات الإسرائيلية طلعاتها الجوية قرب الحدود الإيرانية. ونقل التقرير عن مسؤولين عرب وأمريكيين في المنطقة قولهم إن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب ستستأنفان الهجمات على إيران، بل متى ستحدث هذه الخطوة.


وفي تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي»، أوضح ماثيوز أن طهران تهدد بالرد عبر استهداف مراكز بيانات ومنشآت للذكاء الاصطناعي مرتبطة بالولايات المتحدة في الخليج، تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، إلى جانب منشآت الطاقة والمطارات. ويأتي ذلك في ظل تعثر الجهود الرامية إلى تسوية النزاع، بعدما توقف القتال المباشر بين واشنطن وطهران إلى حد كبير إثر توقيع وقف إطلاق نار هش في أبريل، دون تنفيذ مذكرة تفاهم من 14 نقطة وقّعها الطرفان في يونيو لدفع التسوية قدمًا.

 


فجوة واسعة بين واشنطن وطهران تمهد لجولة جديدة من الحرب


قال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في شؤون الشرق الأوسط خلال إدارات جمهورية وديمقراطية، لموقع «ميدل إيست آي»: «التصعيد قادم»، مضيفًا أن توقيته، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أو بعدها، لا يغيّر من جوهر المسألة.


ويرى ميلر أن فجوة جوهرية واسعة تفصل بين موقفي واشنطن وطهران، بما يجعل التوصل إلى تسوية أمرًا بالغ الصعوبة. وأوضح أن إيران لن تغيّر مواقفها بشأن مضيق هرمز والملف النووي والحوثيين بالقدر الذي يحتاج إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن تحقيق انتصار.


وتشير تصريحات مسؤولين أمريكيين إلى استعداد الإدارة للعودة إلى القتال. فقد قال السيناتور الجمهوري ريك سكوت، أحد حلفاء ترامب البارزين، في مقابلة مع شبكة «فوكس» يوم الخميس، إن الولايات المتحدة ستواصل العمل لضمان حدوث تغيير للنظام الإيراني في نهاية المطاف.


كما صرّح مايك والتز، سفير ترامب لدى الأمم المتحدة، لصحيفة «فاينانشال تايمز» بأن البيت الأبيض مستعد لخوض صراع طويل الأمد، مؤكدًا أن الرئيس والبحرية الأمريكية يستطيعان مواصلة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في المستقبل المنظور.


وبدأت الحرب على خلفية ما قالت واشنطن إنه هجمات تستهدف شل البرنامج النووي الإيراني، لكنها تحولت إلى مواجهة أوسع بشأن الطرف الذي يحدد قواعد النفوذ في الشرق الأوسط. وتريد إيران فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز، فيما تبادل الطرفان الضربات في الممر المائي، وفرضت الولايات المتحدة حصارًا يضغط بشدة على الاقتصاد الإيراني، بينما تواصل طهران استهداف السفن، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن.


وتعرّضت 27 سفينة على الأقل لهجمات خلال أكتوبر وحده، وهو أعلى عدد منذ مارس. كما أسهمت التوترات بين واشنطن وطهران في انهيار وقف إطلاق النار في اليمن، حيث تتواصل المعارك بين الحوثيين المتحالفين مع إيران والحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية.


ويرى خبراء أن العودة إلى الحرب قد تصبح حتمية، لأن الوضع القائم لا يخدم إدارة ترامب ولا طهران، لكن أيًا من الطرفين لا يرى نفسه في موقف ضعف يفرض عليه تقديم تنازلات.

 


النفط والحصار يضعان اقتصادات الخليج أمام ضغوط متزايدة


قال جريجوري برو، الخبير في شؤون الطاقة وإيران لدى مجموعة «أوراسيا» للاستشارات الجيوسياسية، إن إيران وترامب يراقبان سوق النفط، لكنهما يستخلصان منها دروسًا مختلفة.


ونشرت شركة الطاقة «كلبر» هذا الأسبوع بيانات أظهرت عودة صادرات النفط والمنتجات النفطية من الشرق الأوسط إلى مستويات ما قبل الحرب مع إيران خلال الأسبوع الماضي. ومع ذلك، حذّر بعض الخبراء من أن البيانات قد تعكس طفرة مؤقتة في النشاط، في وقت ترتفع فيه صادرات حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بينما يخنق الحصار الأمريكي صادرات إيران.


وتصدّر السعودية النفط عبر البحر الأحمر، متجاوزة الحوثيين الذين يسيطرون على مضيق باب المندب، من خلال خط أنابيب يصل إلى البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، تعتمد دول الخليج الواقعة داخل مضيق هرمز نظام نقل متتابعًا، إذ تنقل قوارب مملوكة للدولة النفط إلى ناقلات أكبر تنتظر في خليج عُمان. وتقول الولايات المتحدة إن بحريتها ترافق هذه السفن، لكن ذلك يأتي بتكلفة مرتفعة.


ورغم ارتفاع كميات الصادرات، لم تتراجع الأسعار. فقد ارتفع سعر خام برنت، المعيار الدولي للنفط، بنسبة 43% منذ توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، كما زادت أسعار الديزل بنحو 35%، في حين ارتفعت أسعار البنزين بأقل من 10%.


ولا يشكك أحد في أن الاقتصاد الإيراني يعاني ضغوطًا شديدة؛ إذ قفز التضخم في سبتمبر إلى 90%. لكن برو أوضح أن القيادة الإيرانية تعتقد أنها تستطيع تحمّل جولة أخرى من القتال، بينما قد تتراجع إدارة ترامب تحت وطأة الضغوط.


وقال برو إن الولايات المتحدة تراقب كميات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، بينما تركز إيران على الأسعار، مضيفًا أن طهران واثقة إلى حد كبير من قدرتها على الصمود أمام الضغوط مدة أطول مما يستطيع ترامب تحمّله.


وحذّر من أن استئناف الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران مباشرة سيؤدي على الأرجح إلى تصعيد الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة، كما سيقلّص الموارد المتاحة لواشنطن لإدارة نظام مرافقة السفن. وأضاف أن أسعار الطاقة ستظل مرتفعة.

 


دول الخليج في مرمى الرد الإيراني وسط تساؤلات عن قدرة ترامب على تحمّل الكلفة


قبل أن تهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في فبراير، تحركت بعض دول الخليج دبلوماسيًا للضغط من أجل منع الحرب. وخلال المواجهة، شاركت السعودية والإمارات الولايات المتحدة في ضرب إيران، قبل أن تتحول الرياض إلى دعم جهود الوساطة. كما أفادت وكالة «رويترز» بأن الإمارات دفعت أموالًا لإيران لوقف الهجمات عليها.


ويرى خبراء أن دول الخليج ستواجه صعوبة في الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي خلال جولة جديدة من الحرب، رغم أنها ستكون في مقدمة الجهات التي قد تستهدفها الردود الإيرانية. وكانت دول الخليج قد واجهت آلاف الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في فبراير.


وقال عبد الله بعبود، الأكاديمي العُماني والمتخصص في العلاقات الدولية، إن تداعيات جولة جديدة من الحرب ستكون مدمرة لدول الخليج، مضيفًا أن المنطقة تعاني بالفعل مشكلات اقتصادية خطيرة.


وأفادت «بلومبرج الشرق» بأن البحرين يُتوقع أن تحصل على حزمة إنقاذ تقودها الإمارات لدعم احتياطياتها المتهاوية من العملات الأجنبية. كما انكمش الاقتصاد القطري بنسبة 15% على أساس سنوي، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد الإمارات بنسبة 4%. واضطرت السعودية أيضًا إلى إلغاء مؤتمر استثماري بارز بسبب هجمات الحوثيين.


وقال بعبود إن الخليج أصبح رهينة أزمة لا تلوح لها نهاية، موضحًا أن قطر تحاول التوسط، بينما أبعد ترامب سلطنة عُمان عن دورها، في حين تلتزم الإمارات والكويت والسعودية الصمت، ولا تعرف كيف تتعامل مع مواقف الرئيس الأمريكي.


من جانبه، قال مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق ونائب رئيس الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، لموقع «ميدل إيست آي»، إن إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي لديه مصلحة حقيقية في استمرار الحرب على نطاق واسع.


وتأتي التوقعات بعودة القتال قبيل الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل. ورفع ترامب سقف التوقعات بتوجيه ضربات جديدة عندما أعلن دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معربًا عن رغبته في مساعدته على «إنهاء المهمة» ضد إيران، ما لم تغيّر طهران نهجها سريعًا.


ويرى خبراء أن شعبية الحرب داخل إسرائيل قد تمنح نتنياهو دفعة قبل التصويت، أو تساعده على البقاء في منصبه إذا أسفرت الانتخابات عن نتيجة غير حاسمة.


وأكد بعبود أن قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على إلحاق «دمار هائل» بالبنية التحتية الإيرانية ليست محل شك، لكنه شدد على أن الجمهورية الإسلامية لا تزال قادرة على إلحاق أضرار «كبيرة» بدول الخليج.


وفي مقابلة أجراها هذا الأسبوع مع موقع «دروب سايت نيوز»، وجّه اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، تحذيرًا واضحًا من استهداف منشآت الطاقة الخليجية إذا استأنفت الولايات المتحدة الحرب. وقال إن الحكومات المجاورة لا ينبغي أن تفترض قدرتها على المشاركة في حرب اقتصادية ضد إيران دون تعريض نفسها للخطر، إذا كانت الاستراتيجية الأمريكية تقوم على إطالة أمد الحرب واستخدام منشآت الطاقة في الدول المجاورة للتخفيف من الضغوط الناجمة عن مضيق هرمز والإبقاء على الحصار المفروض على إيران.


وفيما يتعلق بقدرة دول الخليج على التصدي لهجمات إيرانية قد تدفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الارتفاع، أشار التقرير إلى أن تقريرًا صادرًا عن المفتش العام الأمريكي في سبتمبر كشف عن «نقص استراتيجي في المخزونات» من ذخائر أساسية. وكان موقع «ميدل إيست آي» قد أفاد في مارس بأن الولايات المتحدة تعاني بالفعل نقصًا في صواريخ الاعتراض، وذلك قبل أسابيع من القتال المكثف في المنطقة. ومع ذلك، نفت إدارة ترامب مرارًا وجود نقص في الذخائر.


وكشفت هجمات الحوثيين الأخيرة على السعودية عن مدى هشاشة دول الخليج أمام الطائرات المسيّرة الإيرانية وحلفائها. وتواجه المملكة موجة من الهجمات التي استهدفت مرارًا مطاراتها ومنشآت الطاقة البارزة. ووفقًا للسلطات السعودية، قُتل 21 شخصًا على الأقل في هجمات حوثية على مطارات المملكة منذ بداية أكتوبر، بينهم حجاج. كما استهدف هجوم نُسب إلى ميليشيات عراقية متحالفة مع إيران خط أنابيب «شرق–غرب» السعودي في سبتمبر.


وقال المعشر إن استمرار الحرب لن يجلب سوى مزيد من الصعوبات لدول الخليج، ولن يؤدي بوضوح إلى تغيير النظام في إيران، مضيفًا أن ترامب يواجه ضغوطًا داخلية في الولايات المتحدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود والغذاء.


لكن ميلر، الذي يشغل حاليًا منصب زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، رأى أن ترامب قد يشعر بقيود أقل مما يعتقد البعض، خصوصًا في ظل غضبه من إيران بسبب إحباط خططه لتحقيق انتصار سريع في وقت سابق من العام.


وقال ميلر إن ترامب قد يخسر السيطرة على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، في انتخابات التجديد النصفي، لكنه سيظل قادرًا على تجاوز التداعيات السياسية، مضيفًا أن عائلته ستظل بخير وسيواصل العمل على إنشاء مكتبته الرئاسية.


واختتم ميلر تساؤلاته بشأن دوافع الرئيس الأمريكي قائلًا إن استعجال ترامب لإنهاء الحرب ليس واضحًا، وإنه لا يواجه مساءلة حقيقية، متسائلًا: «أين المعاناة التي سيتحملها دونالد ترامب؟»

 

https://www.middleeasteye.net/news/escalation-coming-middle-east-edge-new-israeli-us-attack-iran-looms